حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

63

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

مستمرّا كان اللوح المحفوظ يقبله في ذاته ثم يسترسل من ذاته في ذات المادّة المذكورة ، فلمّا حصل لتلك المادّة الجمود الذي به صارت أجراما جسمية اقتضى اليبس الحاصل لها من جهة الحقيقة الجسميّة أن لا تقبل ذلك المدد في ذواتها كلّه بل مقدار ما يدوم لها وجودها به فقط ، فبقي باقي المدد يطلب النفوذ في حقيقة الجسم ، فمنعه الجسم ذلك لجموده فقهر المدد بقوّته ، فأدار الأفلاك ومخضها مخضا فاندفع منها كلّ جزء إلى مشابهه فأخذت كلّ كرة ما ناسبها وبقي الثقل السخيف فاندفع إلى الوسط لمّا استدارت عليه الأفلاك ، فكانت منه الأرض ، لكنّ الأرض لمّا اندفعت إلى حقيقة الوسط استصحبت بعض اللطائف وهي كثيفة فاقتضى الحال أن ينفصل منها ما يلائمها ، فأوّل ما انفصل منها ما يلائمها ما هو أقرب إلى شبهها في الكثافة فكانت البحار فتميّزت البحار عنها ، إلّا أنّ الماء وجد في ذاته ما هو ألطف منه ، فلم يمكن أن يبقى معه فتصعّد بخارا وهو الهواء ، إلّا أنّ فيه بعد بعض كثافة الماء ، فتميّز من ذلك البخار ما كان كثيفا يشبه الماء ، فدفعته الرياح التي هي في الحقيقة هواء ، إلّا أنّها مندفعة فجمعت ذلك ، [ و ] انكشف الذي يشبه الماء فانضمّ بعضه إلى بعض ، فازداد كثافة ألحقته بالماء في الكثافة فنزل أمطارا ، فالتحق بكرة الماء ، وكان قد انكشف من الأرض بعضها فأصاب ذلك البعض من الأمطار ما رأيت . واستمرّ الحال ، فكلّما كشف من الهواء بواسطة ما يصعد إليه انعكس أمطارا ، ثمّ إنّ ذلك الهواء رقي منه لطيف إلى سطح المقعّر من باطن السماء الدنيا ، وامتدّ لسخافته ورّقته وقرب فلك القمر منه ، فسمّي نارا لذلك الامتداد الذي حصل له ، فحصل في باطن سماء الدنيا أربعة أفلاك سمّاها الحكماء : نارا وهواء وماء وترابا . هذا ومدد القلم الأعلى متّصل ، وكلّما اتّصل دوران الأفلاك وكانت في الأفلاك أجزاء هي أصفى جوهرا في الجسمية من بقيّة الأجسام الفلكية ، فكانت هي الكواكب ، وبصفاء جوهرها صارت لها أشعّة ، فوقعت الأشعّة على سطح الأرض وسطح الماء ، فأثّرت في الماء فصعد البخار من البحار ، وأثّر في التراب تسخينه فقط ، فسرت حرارة ذلك التسخين في باطن الأرض ، فوجدت باطنها